سيد محمد طنطاوي

60

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من صفات جبريل - عليه السلام - الذي ينزل بالقرآن على النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( عَلَّمَه شَدِيدُ الْقُوى ) * . أي : علَّم النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم القرآن ، ملك من ملائكتنا الكرام ، وهو جبريل - عليه السلام - الذي أعطيناه قوة شديدة ، استطاع بها أن ينفذ ما كلفناه بتنفيذه . والضمير المنصوب في « علمه » هو المفعول الأول ، والثاني محذوف . أي : القرآن ، لأن علَّم تتعدى إلى مفعولين . وقوله : * ( شَدِيدُ الْقُوى ) * صفة لموصوف محذوف . أي : ملك شديد القوى . قالوا : وقد بلغ من شدة قوته ، أنه اقتلع قرى قوم لوط - عليه السلام - ثم رفعها إلى السماء ، ثم قلبها . بأن جعل أعلاها أسفلها . . . وقوله - تعالى - : * ( ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ) * صفة أخرى من صفات جبريل - عليه السلام - . والمرة - بكسر الميم - تطلق على قوة الذات ، وحصافة العقل ورجاحته ، مأخوذ من أمررت الحبل ، إذا أحكمت فتله . . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . . . . وقوله : * ( فَاسْتَوى ) * أي : فاستقام على صورة ذاته الحقيقية ، دون الصورة الآدمية التي كان ينزل بها على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم . * ( وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ) * أي : وهو - أي جبريل - بالجهة العليا من السماء المقابلة للناظر إليها * ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ) * أي : ثم قرب جبريل - عليه السلام - من النبي صلى اللَّه عليه وسلم * ( فَتَدَلَّى ) * أي : فانخفض من أعلى إلى أسفل . . . وأصل التدلي : أن ينزل الشيء من طبقته إلى ما تحتها ، حتى لكأنه معلق في الهواء ، ومنه قولهم : تدلت الثمرة إذا صارت معلقة في الهواء من أعلى إلى أسفل . . ثم صور - سبحانه - شدة قرب جبريل من النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) * وألقاب : المقدار المعين : وقيل : هو ما بين وتر القوس ومقبضها . . والقوس : آلة معروفة عند العرب ، يشد بها وتر من جلد ، وتستعمل في الرمي بالسهام . وكان من عادة العرب في الجاهلية ، أنهم إذا تحالفوا ، يخرجون قوسين ويلصقون إحداهما بالأخرى ، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للآخر ، حتى لكأنهما قاب واحد ، ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحدا ، فيكون ذلك دليلا على التحالف التام والرضا الكامل . . .